إخوان الصفاء
105
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل وإذ قد ثبت بما ذكرنا وجود النفس ، وحقيقة المنامات ، وصحة الرؤيا بما فيه كفاية لكل منصف عقله ، فنريد أن نذكر كميّة أنواع المنامات وفنون تصاريفها . واعلم يا أخي أن رؤية المنامات على ستة أنواع : فمنها ما هو أضغاث أحلام وأحاديث النفس ، ومنها ما يكون من جهة غلبة أخلاط الجسد ، ومنها ما يكون من جهة موجبات أحكام النجوم ، ومنها ما هو وساوس من الشيطان ، ومنها ما هو إلهام من الملائكة ، ومنها ما هو وحي من اللّه وتأييده . تفسيرها : أما أضغاث الأحلام فمثل ما يرى كل إنسان ما يكون منصرفا فيه نهاره ، ومفكّرا فيه ليله من الأعمال والصنائع والتجارات والأقاويل والفكر والهموم وما شاكلها من أحاديث النفس ، كالذي يرى الحراث من الزّرع والحصاد والشجر والنّبات والعوامل من الحيوان ، وما هو منصرف فيه نهاره ومفكّر فيه ليله . وعلى هذا القياس سائر طبقات الناس مما يرون من أحوالهم ومتصرّفاتهم يسمّى أضغاث أحلام وأحاديث النفس . وأما الذي يكون من غلبة أخلاط الجسد فهو مثل الذي يرى من غلبت عليه مرّة السوداء من السواد والدّخان والقاذورات والأحزان وما شاكلها ، وكالذي يرى البلغميّ المرطوب من الأنداء والأمطار والآجام والأنهار والوحل وما شاكلها ، وكالذي يرى الدمويّ من الفرح والضّحك واللّعب والسرور وما شاكلها ، وكالذي يرى الصّفراويّ من الحريق والبروق والنيران والألوان الحمر وما شاكلها . وأما الذي يكون من أحكام موجبات النجوم فهو الأصل وسائرها فروع : وذلك أن بني الإنسان يختلفون في رؤيتهم المنامات على فنون شتى : فمنهم من يكون كثير المنامات صحيح تأويلها ، ومنهم من هو بالضّدّ ، ومن الناس